الثعلبي

64

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

وقالوا : لئن كان ما يقول محمد حق لنحن شر من الحمير ، وكان سمعهم غلام من الأنصار يقال له عامر بن قيس ، فحقروه وقالوا هذه المقالة ، فغضب الغلام وقال : والله إنّ ما يقوله محمد حق وأنتم شر من الحمير ، ثم أتى النبي صلى اللّه عليه وسلّم فأخبره فدعاهم فسألهم فحلفوا إن عامرا كذّاب ، وحلف عامر أنهم كذبة ، فصدقهم النبي صلى اللّه عليه وسلّم فجعل عامر يقول : اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب ، وقد كان قال بعضهم في ذلك : يا معشر المنافقين والله إني شر خلق الله ، لوددت أني قدمت فجلدت مائة جلدة ولا ينزل فينا شيء يفضحنا ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية « 1 » . وقال مقاتل والكلبي : نزلت هذه الآية في رهط من المنافقين تخلفوا عن غزوة تبوك ، فلمّا رجع رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم من تبوك أتوا المؤمنين يعتذرون إليهم من تخلّفهم ، ويطلبون ويحلفون ، فأنزل الله يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ وقد كان حقه يرضوهما وقد مضت هذه المسألة ، قال الشاعر : ما كان حبك والشقاء لتنتهي * حتى يجازونك في مغار محصد أي الحبل . أَ لَمْ يَعْلَمُوا وقراءة العامة بالياء على الخبر ، وقرأ السلمي بالتاء على الخطاب أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إلى قوله يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ ، قال مجاهد : كانوا يقولون القول بينهم ثم يقولون : عسى الله أن لا يفشي سرّنا فقال الله لنبيّه متهددا قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ قال قتادة : كانت تسمى هذه السورة الفاضحة والمثيرة والمبعثرة ، أثارت مخازيهم ومثالبهم . قال الحسن : كان المسلمون يسمّون هذه السورة الحفّارة ، حفرت ما في قلوب المنافقين فأظهرته . قال ابن كيسان نزلت هذه الآية في اثني عشر رجلا من المنافقين وقفوا لرسول الله صلى اللّه عليه وسلّم على العقبة لما رجع من غزوة تبوك ليفتكوا به إذا حلأها ، ومعهم رجل مسلم يخفيهم شأنه وتنكروا له في ليلة مظلمة فأخبر جبرئيل رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم ما قدموا له ، وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم ، وعمار بن ياسر يقود برسول الله صلى اللّه عليه وسلّم وحذيفة يسوق به . فقال لحذيفة : اضرب بها وجوه رواحلهم ، فضربها حتى نحاهم ، فلمّا نزل قال لحذيفة : هل عرفت من القوم ؟ قال : لم أعرف منهم أحدا ، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم : إنّهم فلان وفلان حتى عدهم كلّهم ، فقال حذيفة ألا تبعث إليهم فتقتلهم ، قال : « أكره أن يقول العرب لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم ، بل يكفيكم الله الدبيلة » قيل : يا رسول الله وما الدبيلة ؟ قال : « شهاب من جهنم يوضع على نياط فؤاد أحدهم حتى تزهق نفسه فكان كذلك » [ 25 ] « 2 » .

--> ( 1 ) أسباب النزول للواحدي : 168 . ( 2 ) انظر القصّة في : تفسير ابن كثير : 2 / 387 ، بتفاوت .